ثمّة مفارقة قلّما تُدرَك: كثير من من يعلنون إلحادهم، لا يرفضون الدين لذاته، بل يرفضون انعكاسًا مشوّهًا له، رسمته خطبة غليظة، أو فتوى متعسفة، أو شيخٌ زوّر الإله على مقاس هواه.
لم يقرأوا القرآن بعين المتأمل، ولا دخلوا السنة بعقل السائل، بل رأوا الدين من خلال نوافذ ضيّقة، محاطة بضجيج المنابر، وغبار التقاليد.
فنشأ السؤال في نفوسهم لا من حاجة إلى الحقيقة، بل من ضيقٍ بسَطوة “رجال الدين”.
وحين لم يجدوا في الصورة الموروثة ما يلامس فطرتهم، ارتدّوا عنها، لا بحثًا… بل نفورًا.
لكن، تمهّل…
هل ألحدت حقًا بالله؟ أم أنك أنكرت صورةً مختزَلةً ومشوهة عنه؟
هل رفضت الخالق؟ أم رفضت المتحدثين باسمه؟
ما أكثر من ينفر من الله، وهو لم يلقَه.
وما أكثر من يكفر برسالة، لم يُحسن قراءتها.
الإلحاد، إذا أراد أن يكون موقفًا فلسفيًا رصينًا، لا بد أن يتكئ على تأمل، لا على جرح؛
على حوار مع الأسئلة الوجودية: من أين جئنا؟ لماذا نحيا؟ كيف نعلّل الوعي، والضمير، والغاية؟
أما أن يُبنى على فتوى منغلقة أو شيخٍ صادم، فذاك ردّ فعل نفسي، لا مشروع فكري.
إن من المثير للأسف، أن كثيرًا من الملحدين يكرّرون نفس خطأ المتدين التقليدي:
ذاك يعبد لأنه وُلد على ملة أهله،
وهذا يُنكر لأنه كره ما ترسّب في ذاكرته من أصوات غليظة ووجوه عابسة.
كلاهما لم يذق طعم السؤال الحر.
كلاهما لم يخض تجربة الإيمان أو الإنكار عن وعي.
الأول سلّم بما لُقّن، والثاني تمرّد على ما لم يفهم.

